ابن أبي الحديد

159

شرح نهج البلاغة

لقبه به ، فقيل : لقبه به رسول الله صلى الله عليه وآله ، والصحيح أنه لقبه به أبو بكر ، لقتاله أهل الردة وقتله مسيلمة . والظبة ، بالتخفيف : حد السيف . والنابي من السيوف : الذي لا يقطع ، وأصله نبا أي ارتفع ، فلما لم يقطع كان مرتفعا ، فسمى نابيا ، وفى الكلام حذف تقديره ولا ناب ضارب الضريبة ، وضارب الضريب هو حد السيف ، فأما الضريبة نفسها فهو الشئ المضروب بالسيف ، وإنما دخلته الهاء وإن كان بمعنى ( مفعول ) لأنه صار في عداد الأسماء ، كالنطيحة والأكيلة . ثم أمرهم بأن يطيعوه في جميع ما يأمرهم به من الاقدام والإحجام وقال : إنه لا يقدم ولا يؤخر إلا عن أمري ، وهذا إن كان قاله مع أنه قد سنح له أن يعمل برأيه في أمور الحرب من غير مراجعته فهو عظيم جدا ، لأنه يكون قد أقامه مقام . نفسه . وجاز أن يقول : إنه لا يفعل شيئا إلا عن أمري . وأن كان لا يراجعه في الجزئيات على عاده العرب في مثل ذلك ، لأنهم يقولون فيمن يثقون به نحو ذلك ، وقد ذهب كثير من الأصوليين إلى أن الله تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وآله : احكم بما شئت في الشريعة ، فإنك لا تحكم إلا بالحق ، وأنه كان يحكم من غير مراجعته لجبرائيل ، وإن الله تعالى قد قال في حقه : ( وما ينطق عن الهوى * إن هو الا وحى يوحى ) ( 1 ) ، وإن كان عليه السلام قال هذا القول عن الأشتر ، لأنه قد قرر معه بينه وبينه ألا يعمل شيئا قليلا ولا كثيرا إلا بعد مراجعته فيجوز ، ولكن هذا بعيد ، لان المسافة طويلة بين العراق ومصر ، وكانت الأمور هناك تقف وتفسد . ثم ذكر أنه آثرهم به على نفسه ، وهكذا قال عمر لما أنفذ عبد الله بن مسعود إلى الكوفة في كتابه إليهم : قد آثرتكم به على نفسي ، وذلك أن عمر كان يستفتيه في الاحكام ، وعلي عليه السلام كان يصول على الأعداء بالأشتر ، ويقوى أنفس جيوشه بمقامه بينهم ، فلما بعثه إلى مصر كان مؤثرا لأهل مصر به على نفسه .

--> ( 1 ) سورة النجم 3 ، 4